عشيرة أبوطير

أول موقع خاص بعشيرة أبوطير حول العالم العربي و الاسلامي


    ثقافة: ”إش ليبه دش“ والخطاب الأسطوري

    شاطر
    avatar
    محمدابوطير
    Admin

    المساهمات : 336
    تاريخ التسجيل : 06/01/2010
    العمر : 38
    الموقع : http://abutair1979.yoo7.com

    ثقافة: ”إش ليبه دش“ والخطاب الأسطوري

    مُساهمة  محمدابوطير في الثلاثاء مارس 09, 2010 2:10 pm

    حسن السلمان
    في مجموعته ( إش ليبه دش ) والتي تعني بالألمانية ( احبك جداً .. ) حسب ماورد في القصة التي تحمل عنوان المجموعة ، يوظف القاص زيد الشهيد، الأساطير والخرافات الشعبية لتوليد دلالات النصوص




    لما تحمله الأساطير والخرافات من قيم وشفرات ذات قدرة عالية للتغلب على ما يواجهه الإنسان من إشكاليات ادراكية / معرفية ، وعوائق مادية وروحية على حد سواء ، لم يستطع العلم حلها بشكل نهائي حتى الآن ، وذلك : ( ان كل شيء في دواخلنا لم تصهره المعرفة العقلية / العلمية ، انما ينتمي الى الأسطورة التي تمثل الدفاع التلقائي للفكر الانساني في مواجهة عالم عدائي او غير مفهوم ) مع ابرازها ،
    أي الأساطير والخرافات ، للجانب الإنساني وتعزيز البعد الايماني والغريزي ، الذي تحاول التقنية باديولوجيتها المنطقية طمسه او إقصاءه عن الطبيعة الإنسانية ذات البنية المركبة من مادة وروح ، والتي تحاول ايضاً بالنتيجة سلبه اختياره المحض وتدجينه ضمن منظومتها الاحادية الرؤية. وذلكSad ان الأسطورة لايتم اختيارها بعد ترو فكري لانها يمكن ان تدجن الفعل ، بل هي اختيار غريزي ، يقبلها الفرد بكل جوارحه ، وهي مكونة من الإيمان اكثر من المنطق ) حيث تزدهر الأساطير والخرافات في المجتمعات التي لاتزال ترزح تحت نمط العيش البدائي او شبه البدائي ولم تتلوث ثقافتها بعد بمادية المنطق التقني ، كما هو ممثل له في القصص التي انتخبناها للمقاربة ، وهي ثلاث كتبها زيد الشهيد ، حينما كان يعمل في ريف (اليمن) مدرساً .ويعود انتخابنا لهذه القصص لاشتراكها في اكثر من أرضية وعامل. فهناك البنية المكانية والتي تتمثل بقرية (ذيبين) حيث تدور أحداث القصص. وذيبين قرية نائية تقبع بين جبلين ، احدهما يسمى (كحل) والآخر(الذروة) . قرية تخلو من معالم العمران ومظاهر التحضر ، فهي بلا كهرباء ولا شبكات مياه ، مكان معزول عن العالم المديني ومفردات العصرنة : في قصة (ابو طير) يتحدث السارد عن طائر خرافي يطلق اصوات مختلفة ، فتارة زقزقة عصفور ، وتارة تغريد بلبل ، وأخرى نواح فاختة . طائر شاهده اهالي ذيبين يحتل منارة الجامع الذي بناه رجل ذو كرامات يدعى (الشيخ احمد ابو طير) ، قتله نفر من الضالين لأسباب غامضة ، ومن لحظة مقتله ، اصبح هذا الطير جزءاً لايتجزأ من حياة الأهالي ، كدلالة على الوجود الرمزي لرجل الكرامات وعلامة حيةً لذكراه المباركة الطيبة ، يستمدون منها الامل والطمأنينة من خلال الاحساس بالتوازن النفسي. بيد ان شخصاً غريباً يدخل على الخط العفوي / الإيماني لأهالي القرية ويطلب منهم إزالة مرقد الشيخ احمد ابي طير رجل الكرامات بعد ان قدم لهم هذا الغريب مختلف المساعدات وكسب ثقتهم بألاعيب محكمة، ابتداءً من خدمته للضريح في البداية وانتهاء بإظهار قدرات غير طبيعية في شفاء المرضى والمجانين بأساليب ملتوية مستغلاً سذاجة الأهالي وبساطة وعيهم المتناهية ،مع تخديرهم بوعود مزيفة تتمثل بإقامة ( جنائن وفراديس ) لهم، بدلا من هذه الحياة البائسة التي يحيونها وتلك الخرافات التي يتشبثون بها. إلا إن شخصاً نابهاً يدعى حميد الباشا استطاع ان يكتشف حقيقة الغريب ودوافعه الحقيقية المتمثلة بتغيير الهوية الثقافية لاهالي ذيبين، من خلال محو رموزهم وتسفيه معتقداتهم ونسف موروثهم وخصوصاً ماهو مرتبط بالمقدس . ومابين مؤيد ومعارض للغريب ، تصل رسالة مشفرة على هيئة غراب يحتل مكان الطائر ، كتحذير من سوء عاقبة مولا الغريب. مع ذلك يظل الوضع متأرجحاً ، بل ويتطور الى حد قتل حميد الباشا. إلا ان حلماً جماعياً ينتاب الأهالي جميعاً ، متمثلاً برؤيا الشيخ أبي طير الذي يكشف لهم بشكل لالبس فيه مؤامرة الغريب يعيدهم الى صوابهم، ليفر الغريب ، ويختفي الغراب ، ويعود الطائر : في هذه القصة يبرز الجانب الروحي/ الإيماني بدلا من المنطقي /المادي/ الملموس للدفاع التلقائي ضد العدوانية والشرور والتخريب، وذلك بدلالة تصديق الرؤيا/ الحلم، وتكذيب المنطق بحقائقه الملموسة المتمثلة بحميد الباشا، كشاهد عيان على زيف الغريب ونواياه الشريرة . وهكذا تنكشف بالمحصلة ، قيم واهداف وشفرات الأسطورة وقواها الدفاعية ، سواء عبر الحلم الجماعي الذي جاء منسجماً مع طبيعة الحياة البدائية لاهالي القرية المنعزلة ، او تبادل الطائر والغراب للمكان كمناورة دلالية مشفرة لتثبيت قوة وفاعلية الأسطورة . اما في قصة (تضرعات واعدة) فتبرز أسطورة تقديم القرابين والأضاحي جنباً الى جنب مع الخرافة ، التي تشترك مع الأسطورة بالبنية الخيالية ، وتفترق عنها موقعياً ، إذ الأسطورة عالمية التداول وهي قابلة للمناقلة والتبيئة والتعديل ، بينما الخرافة محلية محدودة الانتشار، مع بعض الفوارق الاخرى.. عموماً، تشكل الأساطير والخرافات الموروث الثقافي، او تدخلان كعنصرين أساسيين في تشكيل الكثير من الهويات الثقافية للشعوب وعمقها الحضاري، إذ يترتب على ذلك صياغة جملة من التقاليد والأعراف والمعتقدات والمفاهيم وأساليب التصرف وطرق السلوك. ففي هذه القصة، يحتبس المطر عن قرية ذيبين وتنتاب الاهالي حالة من اليأس والقنوط ، فيلجؤون الى معتقداتهم الأسطورية والخرافية جنباً الى جنب مع الأدعية السماوية وتلاوة القرآن . حيث يذبحون ثوراً ، وتقوم (حورية) بطلة القصة بتلاوة القرآن والأدعية ، وفي نفس الوقت تذهب بصحبة الاولاد القرية الى (صخرة مسعود) في قمة الجبل ، لتقديم (العصيدة) الى (الحنش) بصفته شفيعاً .. ليهطل بعد ذلك المطر مدراراً . ومما تجدر الاشارة اليه ، ان حورية تذهب في النهاية قرباناً عندما تموت وهي منكبة على القران لتعزيز زخم القصة درامياً . هنا تتعاضد مختلف الدوافع الإيمانية والمعتقدات الاسطورية والخرافية لمواجهة هذه المشكلة ، وتمثل الاستجابة تعزيزاً لفاعلية المعتقدات الأسطورية والخرافية في قدرتها على ايجاد الحلول، عابرة المنطق ومفاهيمه العقلانية المناقضة للقوى الايمانية/ الاعتقادين ذات الطابع الروحي الصرف، إذ إن: (الذهنية البدائية تخضع لنمط من التفكيرلايستجيب للمنطق الحاكم للذهنية المعاصرة ، بمعنى إن التفكير البدائي هو تفكير قبل منطقي) . اما في قصة (إش ليبه دش) فيلعب المكان بصورته الماورائية المتخيلة الأسطورية ، دوراً أساسيا في لقاء عاطفي بين ممرضة المانية تعمل في القرية وبين بطل القصة جبران، وذلك عندما يذهبان بصحبة الطاقم الصحي لمشاهدة اثار (ظفار) الغائرة في القدم. فبعد ان ينفردان ببعضهما ، يهيمن سحر المكان على الممرضة حيث: ( تداهمها روائح غريبة.. ولهاث صدور هبت عبر قرون.. سمعها تتأوه فحسبها نزوة . غير انها ارتمت عليه تضمه وتتأوه.. امامه استحالت طفلة صغيرة ، فتحركت ذراعاه تطوقان الجسد كعصفور بليل). ان استعادة المكان هنا تخييلياً بصورته الماورائية من قبل الممرضة، التي تختزن ذاكرتها، شأنها شأن الآخر، وهو هنا الشخص الغربي بالتحديد، الصور الخرافية والاساطير عن الشرق وسحر حكاياته ، كان دافعاً قوياً لتجاوز خصوصية الذات، والاستجابة لنداء الغريزة، وهو ما يؤكد قدرة المتخيل الأسطوري على حرق المساحات الثقافية مابين المختلف، ليتحول هذا اللقاء العاطفي الى حب حقيقي ، ينتهي دراماتيكياً بمغادرة الممرضة لبلدها، وتحول جبران الى (مجنون أسطوري)، تماماً كما هو الحال مع اسطورة مجنون ليلى حيثSadالفصول تتعاقب، وجبران يهرب الى داخله هائماً في ضياعات الدروب. العقل يتسرب كالدخان ، وينتهي كلامه الى الابد .. هجر المدرسة وتنكر لأصحابه، واتخذ جبل كحل وسفوحه ، ساحات لمتاهاته وانشطار عقله). مما تقدم يتضح بأن المناخات والدلالات ذات الخطاب الأسطوري/ الخرافي هي من تهيمن على القصص، وتمنحها خصوصيتها وتفردها وتماسك بناها، وانسجام تشكيلها من خلال استخدام القاص للغة شاعرية ذات طابع طقوسي/ شعائري ، وانهمام بوصف وحضور مفردات الطبيعة ، والاختيار المناسب للمكان (قرية ذيبين) لتكون مسرحاً لأحداث القصص وطروحاتها، وذلك لأرضيتها الصالحة لازدهار الأساطير والخرافات التي وظفها (الشهيد) لإشتقاقات دلالات نصوصه ومعانيها.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 20, 2017 10:33 am